العربية.. ذاكرة الحضارة ولغة المستقبل

(*) محاضرة ألقيت بقاعة المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر  5 مايو 2009.

(نص المحاضرة)

موضوع لقائنا في هذه الأمسية، كما ترون في عنوانها، هو موضوع اللغة العربية، ذاكرة الحضارة ولغة المستقبل.

اللغة العربية موضوع متشعّب، أعني تحديداً بحث نشأتها، لأن نشاة اللغة العربية كانت لغزاً وما زالت كذلك، فجميع القراءات – بلا استثناء – تعود بنشأة اللغة العربية إلى مناطق مجهولة من تاريخنا، إلى أزمنة كان التدوين فيها غائباً.

لنبدأ أولاً بتحديد مصدري عنوان هذه المحاضرة، عندما أقول: «ذاكرة الحضارة» فإنما أعني الحضارةَ عامةً، لا الحضارة العربية كما اعتدنا أن نقرأ عنها، وكما نعرفها، أعني بالحضارة حضارةَ العرب وغيرهم، ممن جاورهم من أقوام واتصل بهم، وممن نأى عنهم مكاناً ومكنةً، اللغة العربية بالنسبة لي لا تبدأ مع ما اعتدنا أن نسمعه ونردّده من تواريخ تتصل بالنقوش بيّنة اللغة، ألفنا أن نسمع أن أقدم نقش بالعربية هو النقش المعروف باسم «عجل بن هفعم» في قرية الفاو بالجزيرة العربية، وهو مكتوب بالخط المسند، ويؤرخ هذا النقش بالقرن الأول من تاريخ ما يعرف بما قبل الميلاد، لكنني أقول أن العربية تبدأ تدويناً من الألف الرابعة قبل الميلاد، وفي ذلك ما يناقض جميع الفرضيات والنظريات التي بحثت مسألة النشأة هذه، فأنا من الذين يرون أن العربية واحدةٌ وكتاباتها شتّى.

الشق الثاني من عنوان هذه المحاضرة، أي لغة المستقبل، أنتم تعرفون «جول فيرن»، وهو روائيّ فرنسيّ من القرن التاسع عشر، صاحب روايات الخيال العلمي، وأشهر رواياته كانت: «رحلة إلى القمر»، و«الشعاع الأخضر»، و«الشمال ضد الجنوب»، و«فينيق حقول الثلج»، وغير ذلك من الروايات، هو أيضاً مؤلف الرواية المشهورة: «رحلة إلى مركز الأرض»؛ في هذه الرواية وبعد أن ينجح المغامرون في الوصول إلى مركز الأرض يفكرون في العودة إلى سطحها، لكنهم قبل أن يغادروا يقررون ترك أثر يدلّ على رحلتهم العجيبة هذه، هنا قرروا أن يتركوا نقشاً بالكتابة العربية، وهكذا فعلوا، بعد ذلك سئل المؤلف جول فيرن: لماذا العربية بالذات؟ فأجاب ببساطة: لأنها لغة المستقبل.

إذن هذا هو العنوان في شقيه.. «ذاكرة الحضارة» و«لغة المستقبل».

أنا من الذين يعتقدون أن التاريخ العربي فُهم خطأً، وأن هذا الفهم الخاطئ انعكس أيضاً على المعرفة باللغة العربية، وأعني باللغة العربية تلك المنظومة المتكاملة ذات الأطوار المتصلة، ومراحل بعضها – بل الكثير منها – لم يُدوَّن. ولا أعني اللغة العربية كما نعيها ونفهمها الآن فقط.. في اعتقادي أن العربية اسمٌ جامع لكتلة لغوية كاملة، تبدأ من السومرية، وفي هذه الفرضية ما يناقض جميع – لا معظم ولا جل – الفرضيات التي تحدّثت عن نشأة العربية.. السومرية كما يقولون (وهذا ما تعلمناه من المستشرقين ومن رواد قراءة الكتابات القديمة) لغةٌ منعزلة، لا صلة لها بما جاورها لغات في بيئة حضارية واحدة، وكان الأولى – من ناحية المنطق على الأقل – أن يتم العثور على بعض التشابهات المعجمية، أو على بعض الصلة، لكن القطع بأن السومرية لغة منعزلة، لا صلة لها بجميع هذه اللغات التي عاصرتها وجاورتها، هو قطع ينتهي عند نقطة واحدة هي حجته الوحيدة، وتعتمد على أن السومرية لغة إلصاقيّة ذات بنية مقطعيّة، وأن العربية وأخواتها في منظومة اللغات التي تنتمي إليها من الأفروآسويات (التي كانت في السابق تسمّى بالسامية الحامية) هي لغات اشتقاقية جذرية معربة، وعادة ما نعود إلى الأكدية التي تمثّل جذع الأفروآسيويات، ثمّ يتم بتر هذا المسار، لأننا من ناحية التراتب الزمني لن نجد قبل الأكدية إلا السومرية، والسومرية فُصِل فيها القول، بعدم صلتها بأي من لغات المنظومة الأفروآسيوية.

في كتاب «ما قبل اللغة» عمدتُ إلى إعمال منهج جديد لبحث هذه الصلة المجهولة، الغائبة، أو في الحقيقة هي: المغيّبة، على يد المستشرقين من قراء السومريات والأكديات.

عمدت إلى إعمال منهج جديد يعتمد على قراءة السومرية جذرياً، وقراءة العربية في بنية مقطعية متصوَّرة، باستعادة منهج الخليل بن أحمد – اعتمدت هذا المنهج النظري لأرى ما إذا كان سينتِج تطبيقه مادةً ملموسة أم لا. بمعنى آخر.. في هذه المقارنة لم ألجأ – في المرحلة الأولى على الأقل – إلى البحث عن المتشابهات المعجمية، بل عمدت إلى تفكيك الجذور اللغوية العربية وإحالتها إلى مقاطع لأرى مدى ما تتوافق فيه مع المقاطع السومرية، وفي نفس الوقت لجأت إلى تحويل المقاطع السومرية إلى صيغ جذرية.

ولنتوقف قليلاً عند بعض هذه الاصطلاحات، فعندما نقول اللغة السومرية لغة مقطعية، هذا يعني أنها تعتمد على ضمّ أو لصق مقطعين فأكثر لتوليد الكلمات. كما في المثال التالي:

لُ (لُو): بمعنى رجل (العربية الحالية: آل (وكذلك ألوَى) بمعنى رجل، شخص).

– (گَلْ): كبير (العربية الحالية: جلٌّ بمعنى جليل، عظيم، كبير).

وبلصق هذين المقطعين تتولّد كلمة (لوگَلْ) التي تعني في المعجم السومري: ملك، أما بدلالتها المقطعية فهي الرجل الكبير، أي كبير القوم.. هذه هي الطبيعة الإلصاقية للغة السومرية، وعندما نقرأها جذرياً نعمد إلى إلغاء الصوائت، وهو في هذا المثال المدّ (و)، وهكذا نقرأ (لوگَلْ) السابقة بصيغة: لُگَلْ، أي اللام والقاف البدوية (أو القاف اليمنية) ثم اللام ثانيةً.

ماذا يعني إذن أن نقرأ العربية مقطعياً؟

لجأت إلى تفكيك عدد من الكلمات، وكان منها كلمة (كَتَبَ)، فهي فعل ماضٍ يتكون من ثلاثة حروف، ولكنه يتكوّن أيضاً من ثلاثة مقاطع: كَ، تَ، بَ. فالمقطع الأول (كَ) يعني في السومرية: فم، كلام. والثاني (تَ) ويعني بواسطة كذا، وغالباً ما يليه اسم أداة، والثالث (بَ) ويعني لوح الكتابة، والسومريون كانوا يكتبون على ألواح الطين. فالكتابة – كما نعرفها – بتأثيلها على هذا النحو هي: نقل الكلام إلى وسيلة من وسائل حفظ الكلام، هذه الوسيلة هي الورقة الآن، وقد كانت لوحاً طينياً عند السومريين.

كان بي ميْلٌ في بداية البحث إلى وضع معجم استرجاعي، وبمعنى آخر أن ألجأ إلى عدد كبير من جذور الكلمات في اللغة العربية لأقوم بتأثيله مقطعياً، وفقاً لهذا المنهج، أي بقراءته مقطعياً، كما في المثال السابق. لكنني أدركت في ما بعد أن إثبات الصلة بين السومرية وبين العربية، يجب أن يعتمد على شواهد واضحة بأقل قدر من الاجتهاد، بناءُ معجم استرجاعي على نحو ما ذكرت فيه الكثير من الاجتهادات، وبمعنى آخر فإننا لن نلمس الكثير من اليقين بمثل هذا المنهج، لكن الشاهد الذي لا جدل فيه ولا شك، هو المتشابهات المعجمية، بين العربية وبين السومرية، وهذه مسألة كانت غائبة عن الباحثين لسبب بسيط، فأوائل رواد قراءة الألواح المسمارية (الكتابة التي دوّنت بها اللغة السومرية، لأنها كانت تعتمد على أسافين أو مسامير لنقش ألواح الطين) كانوا من الألمان والفرنسيين، ومعرفتهم المعجمية باللغة العربية لم تكن كبيرة إلى درجة تأَهُّلِهم لمقارنة الكلمات السومرية التي بين أيديهم بكلمات مماتة أو مهملة أو غريبة من المعجم العربي.. لكن الغيظ في الحقيقة يصيبنا عندما نجد تلاميذهم من العرب قد ساروا على نفس النسق دون أن يسائلوا أنفسهم في ما يتعلمّون.

بدأت المسألة بعدد من الكلمات البسيطة غير المعتادة، أي من كلمات ليست في عربيتنا الآن، كما نتحدّثها، فهي في بطون الكتب وأمهات المعاجم، وغير مستخدمة، لا في الكلام، ولا في الكتابة. فعربيتنا الآن تمرّ في طورٍ آخر جديد، بطيء جداً في تحوّلاته، وسنأتي إلى هذا الموضوع لاحقاً.

سأعطي عدد من الأمثلة في علاقة اللغة السومرية باللغة العربية:

لنقل مثلاً: آبسن كلمة سومرية تعني خط أو سكة المحراث. لا أحد منّا الآن سيقول بعربيّة هذه الكلمة، لكننا عندما نلجأ إلى المعجم ونطالع لسان العرب أو تاج العروس أو القاموس أو كتاب العين، نجد: البآسنة بمعنى خطّ الحرث، سكّة المحراث، ابن منظور في تعليقه على هذه الكلمة يقول: اسم لآلات الصنّاع، وليس بعربي محض.

– كلمة أسيري السومرية هي أسير العربية.

– كلمة بخر السومرية هي فخّار العربية.

– كلمة بُر السومرية هي حصاد، ولكن (بر) في العربية خصّصت للدلالة على القمح والحنطة.

– كلمة بزُر السومرية هي نخلة، ولكنها في العربية قُصِرت على البُسْر أو التمر قبل أن يُرطِب.

– كلمة دكن السومرية هي عتبة الباب، وإحالتها السريعة في العربية هي كلمة دكّان، أي الدكّة المبنية للجلوس عليها.

– كلمة كُرُش السومرية هي عاملٌ، كادح. وفي العربية تحت جذر قرش نجد تَقَرَّشَ أي تَكَسَّبَ.

– كلمة كِرْ السومرية هي قبضة من طين، وفي العربية: كوّرَ الطينَ أي غوَّرَه.

– كلمة كُدْ السومرية هي القطْعُ أو الشّقٌّ، ويماثلها قَدَّ.

بشكل عام هناك المئات من مثل هذه الأمثلة في كتاب «ما قبل اللغة»، ولي هنا ملاحظة حول صواتة الحروف كما نقلها لنا أولئك القراء الأوائل، فهم قرَّبوا قراءة السومرية من مخارج الحروف في اللغات الهندوأوروبية، أي كما يلفظونها هم، لا كما نتصوّر أنها لُفِظت به في زمن السومريين، من ذلك مثلاً ما أسميته بظاهرة الحروف المغيَّبة، فنحن لا نعثر على حرف القاف مثلاً، أو حرف العين، فالحلقيات غائبة من الحروف السومرية، لكن هل هذه حقيقة؟ مَن الذي يستطيع أن يُجزِم أن السومريين، أو أن قوماً من الأقوام، عاشوا منذ الألف العاشرة قبل الميلاد، نطقوا هذا الحرف دون ذاك؟ مَن يستطيع أن يثبت انهم لم ينطقوا حرف القاف؟ أو حرف الصاد مثلاً؟ لنقل أن حرف الصاد متطوّر عن حرف أساسي هو السين، لكن حرفاً كالعين أو القاف مثلاً يبدو أصيلاً، ويبدو جزءا من نظام الصواتة والتلفّظ في هذه المنطقة بأكملها، أعني الشرق القديم، جميع اللغات التي نعرفها الآن في شرقنا القديم يوجد فيها حرف القاف، وإن بنسبةٍ دون أخرى في صواتته وطريقة تلفّظه، وهذه الملاحظة تثبت أن بناء المعجم السومري كما نعرفه الآن هو بناء مشكوك فيه، وبعبارة أخرى، نحن لا نستطيع أن نسلّم بطريقة كتابة أو نقحرة الكلمات السومرية، هناك الكثير من الملاحظات حول الصواتة وهي ناشئة عن اختلاف أساليب القرّاء في التلفّظ وفي القراءة.

إذا كانت اللغة العربية ذات صلة كهذه بالسومرية، فإن ذلك يعني أن تدوين العربية قد بدأ منذ منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، وليس في القرن الأول قبل الميلاد، أي باستتباع وجود السومرية في العربية، وألاحظ هنا أنني عندما أتحدث عن السومرية والعربية فإنني لا أتحدث عن لغتين مختلفتين، بل عن طَوْرين مختلفين للغةٍ واحدة، والسومرية – كما أرى – هي الحالة الجنينية البدئية لنشأة اللغة العربية، فهي ليست لغة منفصلة، ولكن المقاطع السومرية الأولى تطوّرت بإلصاقها، ثم باستخدامها ككلمات، ثم بمسارات تنقّلها وترحالها من مكان إلى آخر، من شمال الجزيرة العربية إلى وسطها وجنوبها، إلى غير ذلك من الأمكنة والمناطق المجاورة، هكذا نشأت الكلمات وتطوّرت تدريجياً، نمت كما ينمو أي كائن حي.

فإذا آمنا الآن أن العربية هي أقدم بكثير مما قدّره الباحثون – وخاصة الغربيون منهم – وإذا أثبتنا هذه الصلة بين السومرية والعربية، نستطيع أن نقول أن تدوين اللغة العربية بالكتابة المسمارية قد بدأ في منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، وذلك يعني أن نشأة اللغة العربية تمتدّ إلى الفترة التي وجد فيها السومريون أنفسهم، في زمن ما من الألف العاشرة قبل الميلاد، أي مع ما يعرف بانحسار آخر عصر جليدي، عندما كانت بلاد ما بين النهرين مستنقعاً كبيراً آخذاً في الجفاف إلى أن تحول إلى أرض صالحة للاستيطان والاستزراع، لتنشأ من هنا أولى التجمعات القارّة في أور وأوروك وشربّاك والكثير الكثير غيرها من القرى التي ستتطور إلى مدن ودويلات في أزمنة لاحقة، تماماً كما كان يحدث على الطرف الآخر، أعني في وادي النيل الذي تحوّل من مستنقع كبير إلى أرض خصبة مؤهلة للاستقرار، فعندما نتحدث عن العراق القديم وعن وادي النيل، نحن نتحدث عن أولى الحضارات التي وجدت طريقها إلى الاستقرار والتطوّر، ولكن هذا لا ينفي أن هناك حضارات أخرى ظهرت في أمكنة أخرى، وإن لم تتوفّر على أسباب التطور والاستمرار.

إذن، أردت من خلال هذه الشواهد أن أثبت أن تدوين العربية بدأ منذ زمن أقدم بكثير مما هو متداول بيننا الآن، أي في منتصف الألف الرابعة، وأن وجود العرب أنفسهم يعود إلى الألف العاشرة قبل الميلاد، وعندما أقول (العرب) فإنني أعني اسماً جامعاً لجميع الحضارات والأقوام منذ أن شهدت بلاد ما بين النهرين وشمال الجزيرة العربية أول التجمعات القارّة، غير المسمّاة لغياب التدوين، والتي ستتحول بعد ذلك إلى ما نعرفه من حضارات قديمة كان أولها ما سمِّي باسم السومريين.

العرب اسم علم جامع

العرب – إذن – عَلَمٌ جَامِعٌ يدلّ على كتلة حضارية تاريخية لغوية اجتماعية واحدة متصلة الحلقات منذ اثنتي عشر ألف سنة.

من ناحية أخرى فإن أشهر ظهور تاريخي مسجّل لاسم العرب هو ما وجدناه على نقش يعود إلى زمن الملك الأشوري شلمنصر الثالث ابن الملك أشور ناصربال الثاني، ويعود زمن حكمه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ويصف هذا النقش حملة قادها هذا الملك لإخضاع ما قُدّر أنه مشيخة قديمة قُرِئ اسم شيخها بأكثر من عشر صيغ مختلفة لكن الثابت هو (جندب)، ولا نحتار كثيراً في نقحرة هذا الاسم من الكتابات الأشورية لأنه قد استقرّ في أسماء العرب بهذه الصيغة، وأنتم تعرفون جندب بن جنادة، وهو اسم الصحابي أبي ذر الغفاري.

في هذا النقش وُصِفت هذه الإمارة أو المشيخة بكلمة «عرب»، وهي مفردة صيغت أيضاً بأكثر من عشر صيغ مختلفة، إلا أن دلالتها العامة لن تكون إلا كما نعرفها الآن، أي العربية، أو الأعرابية. حرفياً matu-a-rabi وكلمة matu الأكدية تعني أرض أو بلاد، والأصل فيها mada السومرية وقد استقرّت في العربية بصيغة: مدى.

لا يوجد الآن نقش متّفق عليه أقدم من هذا المؤرخ بالقرن التاسع قبل الميلاد، إلا أننا نعرف أن الاسم الأكدي rabbu، (وهو الجذر الكنعاني والآرامي والعبري والعربي: رب rb)، قد نشأ عن الأصل السومري rib الذي يفيد دلالتين رئيستين: الأولى هي علو المنزلة، والثانية هي الترحال والذهاب.. إلا أن عدم وجود نقوش أخرى لا يعني شيئاً بالنسبة لإثبات وجود العرب أنفسهم، إذا سلّمنا جدلاً بأن اسم العرب قد عبّر في البداية عن تلك القبائل التي خرجت عن سلطان الأشوريين، قبل أن يصبح علماً تختص به قبائل الجزيرة العربية شمالها ووسطها وجنوبها، في وقت لاحق. ذلك أننا في الحقيقة إذا قمنا بتأثيل اسم (عرب) في اللغة السومرية، وفقاً للمنهج الاسترجاعي المشار إليه، سوف نجد ما يلي:

1- الرحّل.. وتقابلها كلمة «ربو» بصيغة الجمع في المصرية القديمة، وأقارنها بالجذر السومري rb، وهم البدو الرحّل. والكلمة أيضاً علم على جمْع قبائلِ الليبيين التي غزت مصر في عهد مرنبتاح ثم رمسيس الثالث في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م. وفي هذا التشابه إحالة مؤكدة على التواصل العروبي الأفروآسيوي، اللغوي والتاريخي.

2- ذوو المنزلة الرفيعة، رؤوس القوم، الأرباب. كما استقرت أيضاً في بمعنى (rb) الكنعانية والآرامية بمعنى رب القوم، رئيسهم، سيدهم.

3- الرعاة، سائسو المواشي.

4- القادمون من بعيد.. بإحالتها إلى ri في جذر رعي، وbi في جذر بين وبعد.

5- الكُثْر [لعددهم]. قارن الكثرة بـ«ربا».

6- الخلطاء [للجهل بأرومتهم].

7- المتوطّنون [تمييزاً لهم عمن يقدم لفترة مؤقتة ويعبر].

8- المقايضون [المتاجرون مع المحليين بيعاً وشراءً].

نحن إذن نذهب إلى أبعد من نقش القرن التاسع قبل الميلاد، فإذا كان المدخل الوحيد لفهم أبعاد ما ورد على هذا النقش هو المدخل اللغوي، فإننا من باب أولى نستطيع العودة إلى السومرية، لإدراك ما هو غائب الآن بسبب عدم توفّر اللقى والمكتشفات الأثرية.. لكنني أشعر أن توفّر الشواهد الأثرية على ما ذهبت إليه من فرضيّتات إنما هي مسألة زمن لا أكثر.

ما كان يمنعنا – من الناحية العلمية – في السابق من أن نتحدث على هذا النحو هو القطيعة التي وضعت عمداً بين السومرية وغيرها من اللغات الأفروآسيوية، لولا ذلك لكان البحث التاريخي اتجه اتجاهاً آخر، ولقرأنا الأصول بدءا من السومريين، أي بدءا من منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد بالنسبة لتدوين اللغة، وبدءا من الألف العاشرة قبل الميلاد بالنسبة للتكوين الاجتماعي للعرب.

لتشعب واكتظاظ هذا الموضوع، حاولت أن اختار أهمّ النقاط لأصلَ بينها، لتكون الصورة واضحة، وكتاب «ما قبل اللغة» يتناول بشكل تفصيلي جميع ما ذكرت، وكخلاصة أولى نستطيع القول أن العربيّة هي علم جامع على السومرية والأكدية وفرعيها الأشورية والبابلية وعلى الأوغاريتية والكنعانية والآرامية وغيرها في الشمال، كما يضم السبأية والمعينية والقتبانية والحضرمية وغيرها في الجنوب، ثم الأمازيغية غرباً وصولاً إلى الغوانشية لغة جزر الخالدات.. هي كتلة لغوية واحدة، نشأت عن كتلة حضارية واحدة، متصلة الأجزاء، حتى وإن تعدّدت مسمياتها، وتعدّد هذه المسميات لا ينفي على الإطلاق حقيقة اتصال حلقات وأجزاء هذه الكتلة.

الكنعانيون هم السومريون

سأعطيكم مثالاً هنا، لو أننا جئنا إلى كلمة مثل كنعان،  لوجدنا أن هناك لغزاً لا حلّ له حتى الآن في تاريخنا العربي، ذلك أن لا أحد يستطيع يجزم بأصول الكنعانيين، متى ومن أين جاؤوا قبل أن يتوطنوا الضفة الشرقية للمتوسط، في ما سيعرف بعد ذلك في تاريخ الحضارات باسم فينيقيا، هناك مجموعة ألغاز تتصل بالكنعانيين، وكنت في الحقيقة أمام مجازفة علمية إلا أنني اخترت المضي في هذه المجازفة فقمت بتأثيل أو تأصيل اسم كنعان في اللغة السومرية نفسها، فكنعان – بالنسبة للمنهج الذي اعتمدته في قراءة السومرية – ليس سوى اسم سومر في اللهجة الشعبية للسومريين المسمّاة «إمِسَلْ» والتي يعبّر فيها عن سومر باسم «كنآن»، أو «كنآنگ»، ومن المعروف أن الصامت الأخير يحذف عادة في ذكر الأسماء، وكما أشرت في ظاهرة الحروف المغيّبة فإن الهمزة هنا تضمر حرف العين، فهذا الاسم في الحقيقة هو كنعان، كنعان هي سومر، والكنعانيون هم السومريون.

اللغوي والتاريخي

قد يعترض البعض على مثل هذا الربط اللغوي بين أجزاء من تاريخنا الحضاري، فإذا كانت المتشابهات اللغوية ثابتة فكيف نبرّر تحويلها إلى حقائق تاريخية، ومن ثم اجتماعية، المسألة – بالنسبة لي – لا تعدو بحثاً نظرياً لغوياً مجرداً، ولكن لهذا البحث آثاره، وهو يلقي بظلاله على قراءة التاريخ، وعلى قراءة التكوينات الإجتماعية، وتاريخ هذه التكوينات التي لم تُدوّن نشأتها، ولم يُكتب تاريخها الأول.

من الناحية النظرية – أيضاً – إذا كان هناك ما ينفي مثل هذه الإحالات، أعني من اللغة إلى التاريخ، إلى تاريخ المجتمعات، فلن يكون إلا نفياً لغوياً أيضاً، أي أنه لا سبيل إلى دراسة هذا الموضوع إلا من باب اللغة – حتى الآن على الأقل.

لأرنست رينان كلمة، سوف أقتبسها حرفياً، وهي كلمة تملؤها الدهشة، يقول في كتابه «تاريخ اللغات السامية»: من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتبلغ درجة الكمال، وسط الصحاري، عند أمة من الرحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها. ولم يعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة. ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها، وانتصاراتها التي لا تُبارى، ولا نعرف شبيهاً لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرّج، انتهى نص رينان.

هذه الدهشة أدبيّةٌ، فيها من الوصف أكثر مما فيها من التحليل، حسناً، هل نشأت العربية هكذا فجأةً؟ هل سقطت على رؤوسنا من السماء؟ هناك من يؤمن – ما زال – حتى الآن من الباحثين بأن العربية وُلدت كاملةً، هذا نتاج تقديس اللغة، ولو كنت شخصياً ممن يقدسون هذه اللغة – لأنها لغة القرآن – نقرأ في سورة الشعراء (الآيات 193 – 196) ﴿نزل به الروح الأمين ۞ على قلبك لتكون من المنذرين ۞ بلسان عربي مبين ۞ وإنه لفي زُبِر الأولين ﴾.. إلا أن هذا التقديس لاحق لنشأة اللغة، فمرحلة اكتمالها تاليةٌ لاحقة، اللغة العربية بدأت بدايات بسيطة، وتمثّلت حالتها الجنينيّة كما قلت في السومرية، وتطورت بالتدريج لتصنع هذا المعجم الثري، الذي أصفه – إيجابياً – بالمكتنز، والذي لا يضاهى في المقارنة بأي معجم آخر، وبأية لغة أخرى من لغات العالم.

لغة جامعة

اللغة العربية لغة جامعة لأخواتها الأفروآسيويات كافةً، ليس هذا فقط، بل أن هناك الآن تيّار علمي بحثي دقيق بدأ ينتبه إلى مجموعة من النقاط التي كانت غائبة عن البحث اللغوي، يدرسون أثر العربية وكيف تسرّبت وكمنت كطبقة تحتية Substratum في لغات أخرى مجاورة، الآن بدأ هذا التيار ينمو ويتعاظم.. البحث في اللغة مسألة لا تنتهي على الإطلاق، واللغة العربية – كما نعرفها، وكما لا نعرفها – تجيب على ألغاز التاريخ، وألغاز الحضارة، العربية لم تُحصر بحثاً أبداً، وما نراه الآن أمامنا من معاجم ومن قواميس لا يعني كلَّ العربية، هذا ما حفظه الرواة، هذا ما نُقِل إلينا بالتواتر، ثم دوّن ووثّق، لكن هناك الكثير من معجم العربية مما لا نعرفه، ولم نتحدّث به، والاستعانة بشقيقات اللغة العربية توضّح هذه المسألة.

***

لغة المستقبل

في ما يتّصل بوصفي الذي نقلته عن جول فيرن، أي لغة المستقبل، أقول أننا إذا نظرنا الآن إلى واقع اللغة العربية قد نصاب بالإحباط، وقد نتشاءم للحالة المتردية لتعاملنا مع لغتنا العربية.

قمنا في حلقة اللسانيات الأفروآسيوية بتجربة بسيطة.. للتعرف على نسبة ما نستخدمه الآن من مفردات معجمنا العربي، أجرينا دراسة تطبيقية باختيار نماذج عشوائية وتعميمها وتحويلها إلى إحصاء، وتبيّن لنا أن المتحدثين الآن باللغة العربية لا يستخدمون أكثر من عشرة بالمائة من المعجم العربي، عشرة بالمائة هي التي تشكّل الآن إعلام العرب وكتاباتهم وآدابهم وبلاغتهم.

إذا فكّرنا.. إذا فكّر من هو معنيّ بهذه المسألة في أن يبحث عن أدوات جديدة، وفي تفعيل استخدامنا لنسبة التسعين بالمائة مما هو مهملٌ الآن من معجمنا، كيف ندرجها تدريجيا في مناهجنا التعليمية، في معجمنا اليومي، في كتاباتنا، كيف نبث فيها الحياة وننقلها من حالة السبات، كيف نوقظ هذه الخلايا النائمة في أجسادنا، هذه هي المسألة، لو اتجه تفكيرنا في المستقبل إلى أن يكون هذا الموضوع همّا أساسياً من همومنا الكثيرة، فنسعى إلى تحريك هذا الرصيد المجنّب من لغتنا، ولو أن المعنيين بالكتابة، المعنيين بالتعليم، باللغة، بالدين أيضاً، فكروا في هذه الضرورة، لأصبح استخدامنا للغتنا استخداماً نشطاً، مفعّلاً، ولأصبح أكثر حيويّة وأصالة.

الأصالة لا تنفي المعاصرة، كلما تشبث المرء بأصالته دلّ ذلك على حضوره القوي في الحياة، أي أنه سوف يرى الخطأ في ما آلت إليه أمور كثيرة فيعمل على تغييره وتصويبه. هذه المعادلة ربما كانت شخصيةً، أي تسري على الشخص الواحد في حياته، ولكن تعميمها على الشأن العام يثبت أهليتها وصحّتها لمعالجة القضايا الكبرى.

استخدامنا الحالي للغة فيه من التكرار والتقليد أكثر مما فيه من الإبداع ومن – لأقُل – تحريك كوامن المخيلة، حتى على المستوى الشعري، والشعر ديوان العرب، ولا أعني الأساليب وغيرها من المداخل النقدية لقراءة النص، تلك مسألة أخرى، أعني على مستوى معجم النص.. نقرأ الآن مجموعات ودواوين شعرية نتفاجأ بضحالة المستوى اللغوي الموجود .. خذ مجموعة شعرية من كتابات زمن الناس هذا – كما يقولون – وقم بإحصاء كلماتها ستجد عدداً ضئيلاً من المفردات تدور في حلقات مفرغة، ويتكرر استخدامها مرةً وأخرى، وهكذا. هذا شاهد فقط على ما آلت إليه اللغة في حقل كان الأولى أن يكون الأكثر عمقاً. ونحن جميعاً – من مثقفين وباحثين وعلماء – مسؤولون عن تفعيل معجمنا العربي، بإدراك حقيقة الكارثة التي ندفع بأنفسنا إليها دفعاً.

عندما نسمع الآخرين من العلماء من ذوي النزاهة العلمية يصفون اللغة العربية، نجد أنهم قالوا فيها – ربما – ما لم نقله نحن أبناؤها والمتكلمون بها، من إشادة وإطراء، لأنهم أدركوا خطورة هذه اللغة، ولأنهم عرفوا أن هذه اللغة تحتوي في داخلها، في عمقها، على أدوات الانتشار وأسباب السيادة بمجرّد أن تحلّ بأي مكان من الأمكنة، ومهما كانت اللغات المنافسة لها.

إذا تعلّم قوم من الأقوام اللغة العربية وتحدثوا بها فإنها ستحلّ تدريجياً لتزيح لسانهم الأصلي، وأعني الأقوام الغريبة، لا أعني كل من يتحدث بواحدة من شقيقات العربية، لأن هؤلاء في الحقيقة يتحدثون العربية وفقاً للأطروحة التي مرّت بنا.

بروكلمان – الذي وُصف بأنه يعرف العربَ أكثر مما يعرف قومه – يقول: معجم العربية اللغوي لا يجاريه معجم في ثرائه.

ويقول ادوراد فارديك: اللغة العربية من أكثر لغات الأرض تميّزاً – وهذا التميّز من وجهين، الأول: من حيث ثروة معجمها، والثاني: من حيث استيعاب آدابها.

شبينغلر يقول: إن اللغة العربية قامت بدور أساسي كوسيلة لنشر المعارف، وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب – على حساب الرومان واليونان – طريق الهند.

أي عندما فتحت اللغة العربية لنفسها مساراً جديداً كان الرومان واليونانيون يحتكرونه في دورة حضارية أخرى.

ويقول فريتاغ: إن اللغة العربية ليست أغنى لغات العالم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العدّ.

ريتشارد كريتفيل يقول: إنه لا يعقل أن تحل اللغة الفرنسية أو الانجليزية محل اللغة العربية. وإن شعباً له آداب غنية منوّعة، كالآداب العربية، ولغة مرنة، ذات مادة لا تكاد تفنى، لا يخون ماضيه، ولا ينبذ إرثاً ورثه، بعد قرون طويلة عن آبائه وأجداده.

المئات والمئات من مثل هذه الاقتباسات والاستشهادات لعلماء غربيين – وصفتهم قبل قليل بأنهم من ذوي النزاهة العلمية، لا من أولئك المستشرقين الذين وجّهوا البحث العلمي عن عمد وجهةً مغرِضة، وأخفوا من المعارف والعلوم أكثر مما أتاحوا لنا، خاصة في ما يتعلق بلغاتنا في الشرق القديم، بدءاً باللغة السومرية.

في اللغة العربية، في عمقها، من الأدوات والأسباب ما يتيح لها أن تكون لغة المستقبل. هذا ليس افتراضاً، بل هو خلاصة تجارب العربية في مختلف أزمنة انتشارها:

– لأنها تستند إلى معجم لا يتضاءل عبر التاريخ، بل يتعاظم وينمو، كلمّا امتدّ بها العمر.

– ولأنها تستند إلى آلية فريدة في معالجة الزمن، فهي لغة لا تشيخ، إذ أنها قادرة مع كلّ جديد على أن تنتج تعبيرها الخاص عن هذا الجديد.

– ولأنها تستند إلى خبرة لا تضاهى في منافسة غيرها من اللغات، ففي تاريخ ما يمكن أن نسميه حروب اللغات كانت الريادة والسبق دائماً للغة العربية.

نحن لا نخشى على العربية في قدرتها وممكنات انتشارها وتحوّلها إلى لغة للمستقبل، نحن نخشى على العربية من استخدامنا لها إذا توهّمنا أننا نفقد المستقبل.. ولن نفقد المستقبل إلا إذا كنا عاجزين عن حملها والمضي بها قدماً.

Advertisements